السلام عليكم و رحمة الله و بركاته....

إن من أعظم الآثام أن نتنكر لذلك الرجل الرباني[1].

يوجد عبادة تسمى (الجلهكية) وهم عبّاد الماء, فإذا أراد أحدهم الصلاة تجرد من ثيابه ولم يستر إلا عورته, ثم يدخل الماء إلى وسطه, فيقيم ساعة أو ساعتين أو أكثر[2].

كما جاء في تعاليم الهندوسية: يجب أن تعوّد نفسك على تقلبات الجو, فاجلس تحت الشمس المحرقة, وعش أيام المطر تحت السماء, وارتد الرداء المبلل في الشتاء, وليكون طعامك مما تنبته الأرض وإياك واللحم, وعندما تبلغ الشيخوخة اترك الأهل وعش في الغابات ولا تقص شعرك ولا تقلم أظافرك[3].

هذا حالهم ولكن الإسلام شيء آخر!!

لقد كانت رحمةفي هذا الجانب واضحة جَلِيَّة ظهرت في مواقف عديدة في حياته, وقد جمعنا بين القرآن والصلاة في مبحث واحد لشدة ارتباطهما, كما أن الصلاة قد يُعَبَّر عنها بالقرآن, مثل قول الله تعالى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78], قال ابن كثير رحمه الله: "يعني صلاة الفجر"[4].

لقد كان رسول اللهيحب الصلاة حبًّا لا نستطيع وصفه بألسنتنا أو بأقلامنا, ولكن ننقل وصفه هولهذا الحب..

قال: "وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ"[5].

ومع هذا الحب العميق للصلاة إلا أنهكان رحيمًا بأمته فلم يُرِدْ منهم الإكثار في هذا الجانب حتى لا يملُّوا.

دَخَلَ النَّبِيُّ ‏‏‏فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ؛ فَقَالَ:‏ ‏"مَا هَذَا الْحَبْلُ؟!" قَالُوا: هَذَا حَبْلٌ‏ ‏لِزَيْنَبَ, ‏فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ‏ ‏: "‏لا. حُلُّوهُ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ"[6].

وهذا التوجيه والتعليم يفعله مع واحدة من أعظم نساء الأرض, فهي أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها, وقد يُطلَب منها ما لا يُطلَب من عامة النساء, ولكنها القاعدة التي لا خلاف عليها: "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ"..

لقد كان رسول اللهحريصًا على أن يظل العبد مربوطًا طيلة حياته بربه, فلا يكسل في لحظة, أو يُفرِّط في أخرى؛ ولذلك كان يحب العمل الدائم ولو كان قليلاً, فهذا أصلح للعبد وللمجتمع..

قال رسول الله: "وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ"[7].

وكان رسول اللهيخشى على أمته من عدم التوازن فتضيع حقوق الأسرة والمجتمع إذا صرف العبد وقته كله في الصلاة والقرآن, ولذلك كان ينصح المكثِرِين بالتقليل والتخفيف, ومِنْ أشهر وأجمل مواقفهما حدث مع عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

لقد كان عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما من الصَّوَّامين القَوَّامين, فكان يقوم كل ليلة بالقرآن فيختمه كاملاً!! وقد كان يظن هذا هو الأفضل والأعظم, فدار بينه وبين رسول اللهحوار يستفسر فيه عبد الله عن كَمِّ القراءة الأمثل..

يقول عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: فِي كَمْ أَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: ‏"اخْتِمْهُ فِي شَهْرٍ". قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: "اخْتِمْهُ فِي عِشْرِينَ". قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: "اخْتِمْهُ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ". قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "اخْتِمْهُ فِي عَشْرٍ". قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "اخْتِمْهُ فِي خَمْسٍ". قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَمَا رَخَّصَ لِي"[8].

فنحن في هذا المثال نشاهد شابًّا قويًّا هو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما يجادل رسول اللهليصلي أكثر, وليقرأ القرآن كاملاً في أقصر مدة ممكنة, وعلى الجانب الآخر يجادله رسول اللهليخفف عنه ويرحمه! قد نتعجب من حرص رسول اللهعلى التقليل من عبادة عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما, ولكن عند التدبر بعين الرحمة تجد أن الرسولحريص على استمرارية عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في طريق العبادة دون كسل ولا فتور ولا إرهاق شديد, وحريص على زوجته وأسرته أن يأخذا حقهما منه, وحريص كذلك على المجتمع أن يصبح عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عضوًا فاعلاً فيه يعمل وينتج ويُعلِّم ويجاهد ويتزاور..

إن رسول اللهحريص على أن يعيش عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما حياة متوازنة, وذلك رحمة به ورحمة بمجتمعه..

ثم إن رحمة رسول اللهتزداد وضوحًا وجلاءً عندما يكون الأمر خاصًّا بعموم الأمة, فإن هذا الدين لم ينزل لمجموعة معينة من الناس دون غيرهم, إنما نزل للكبير والصغير, والرجل والمرأة, والقوي والضعيف, والغني والفقير, وغير ذلك من أصناف في داخل الأمة الواحدة..

إنهيفهم أحوال الناس وظروفهم, ويرحمهم لأجل ذلك, ولا يريد أن يأتي الرجل صلاة أو صلاتين ثم ينقطع كُلِّيَّةً بعد ذلك, بل هو ينظر برحمة إلى حالته ويُقدِّرها, ومثل هذا الموقف حدث مع معاذ بن جبل t, وهو صحابي جليل, وقريب جدًّا من قلب الرسول, وكان كثيرًا ما يمدحهويُثني عليه, ولكن هذه الدرجة القريبة من قلب رسول اللهلم تكن لتصبح مبررًا لأن يطيل معاذ t في الصلاة فيقسو بذلك على المأمومين..

إن القسوة مرفوضة, حتى لو كانت في عبادة الصلاة !!

يحكي جابر بن عبد الله رضي الله عنهما هذا الموقف فيقول: "أَقْبَلَ رَجُلٌ ‏بِنَاضِحَيْنِ ‏وَقَدْ ‏جَنَحَ اللَّيْلُ ‏فَوَافَقَ ‏مُعَاذًا ‏يُصَلِّي[9], فَتَرَكَ ‏نَاضِحَهُ ‏‏وَأَقْبَلَ إِلَى ‏مُعَاذٍ‏ ‏فَقَرَأَ بِسُورَةِ ‏الْبَقَرَةِ ‏‏أَوْ‏ ‏النِّسَاءِ ‏فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ وَبَلَغَهُ أَنَّ ‏مُعَاذًا ‏نَالَ مِنْهُ فَأَتَى النَّبِيَّ ‏‏فَشَكَا إِلَيْهِ‏ ‏مُعَاذًا؛ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏: "يَا مُعَاذُ,‏ أَفَتَّانٌ‏ أَنْتَ‏؟!! ‏أَوْ أَفَاتِنٌ؟!! ‏-‏ثَلاثَ مِرَارٍ- فَلَوْلا صَلَّيْتَ ‏بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ, ‏وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا‏, ‏وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى؛ ‏فَإِنَّهُ ‏يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ"[10].

إن رسول اللهفي هذا الموقف يُعلِّم الأئمة أن يرحموا المصلين في المساجد, ولا يشقُّوا عليهم بكثير صلاة أو قيام, وهذه هي الرحمة في قمة صورها..

إنه يسعدبالإمام الذي يقرأ بالشمس والليل أكثر من سعادتهبالإمام الذي يقرأ بالبقرة والنساء!!

أَلا فَلْيَفْهَمِ المسلمون دينهم!!

وألا فليعرف العالم رحمة رسول الله!!

ومثله ما حدث منهفي قيام رمضان..

صَلَّى رَسُولَ اللَّهِ ‏ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِصَلاتِهِ نَاسٌ, ثُمَّ صَلَّى مِنْ الْقَابِلَةِ فَكَثُرَ النَّاسُ, ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنْ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏, ‏فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: "قَدْ ‏ ‏رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ, وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ" ‏وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ"[11].

إن رسول اللهيعلم أن اللهيفرض على عباده ما يشاء في الوقت الذي يشاء, وبالطريقة التي يشاء, ولكنهيعلم أيضًا أن اللهقد جعل الأسباب, ولا يريد أن يكون هو سببًا لمشقة تحدث للمسلمين, وقد شدَّد بنو إسرائيل على أنفسهم فشدد الله عليهم, وما قصة البقرة بخافية[12], ولذلك آثر رسول اللهأن يصلِّي قيام رمضان منفردًا لكي يرحم المسلمين بتقليل الفروض عليهم!

إن المرء لا يملك عند رؤية هذه المواقف وأمثالها إلا أن يقول ما قاله رب العالمين سبحانه وتعالى في كتابه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].