الذاكرة والتعلم
قد نتساءل أحيانا عن العلاقة القائمة بين الذاكرة والتعلم وكيف تؤثر الذاكرة في عملية التعلم وسأبدأ الحديث بتوضيح مفهوم الذاكرة ، فالذاكرة هي : القدرة على التفاعل مع المعلومات وتخزينها واسترجاعها عندما تدعو الحاجة إليها ، أما التعلم فهو تغير ثابت نسبيا في السلوك يحدث نتيجة الخبرة وتمثل الذاكرة دواما نسبيا لآثار هذه الخبرة وهي شرط لبدء عملية التعلم واستمرارها .. وبهذا فإن الذاكرة والتعلم يتطلب كل منهما وجود الآخر، فبدون تراكم الخبرة ومعالجتها والاحتفاظ بها لا يمكن أن يكون هناك تعلم، وبدون التعلم يتوقف تدفق المعلومات عبر قنوات الاتصال المختلفة.. فإذا كان التعلم يشير إلى حدوث تغيرات تطرأ على السلوك فان الذاكرة تمثل عملية تخزين لهذه التغيرات .


وكما نعلم فان هناك ثلاثة أنواع للذاكرة: (الذاكرة الحسية ، الذاكرة قصيرة المدى، الذاكرة بعيدة المدى) والآن سنتعرف دور كل نوع من هذه الأنواع في عملية التعلم ونبدأ بالذاكرة الحسية:
يمتلك الشخص السليم خمس حواس سليمة هي بمثابة نوافذ على العالم المحيط به من خلالها نستقبل المعلومات من المثيرات البيئية الموجودة حولنا ، وفي المحيط يوجد مثيرات قد تشد انتباهنا وأخرى لا نعيرها أدنى اهتمام وبالتالي تكون عملية الانتباه للمثير هي أول خطوة من خطوات التعلم فتدخل هذه المعلومة التي جلبت الانتباه إلى المخزن الحسي وبهذا تتكون أول عملية لجريان المعلومات ويصار إلى تفعيل نظام معالجة المعلومات .


وتظهر هذه الخطوة جلية عند بدء تعليم الأطفال الحروف والأعداد فإننا نركز على تعليمهم العناصر البصرية والسمعية لهذه الحروف والأعداد ولكن إن بقيت المعلومة في المخزن الحسي دون أن ينتبه لها الطفل ويدركها فإنها معرضة للزوال والضياع ، وقد تتساءل ما الشيء الذي يساعدنا على اختيار المنبه فستكون صلة المنبه بالمهمة المطروحة أمامنا هو الإجابة ، أما بالنسبة لعملية إدراك المنبه فإنها تهدف إلى تنظيم المعلومات الموجودة في المخزن الحسي وربطها بغيرها معتمدين على تحليل ملامح المنبه الحاسمة حسب السياق الذي يرد فيه و حسب ما هو موجود في الذاكرة الطويلة فمثلا الملمح الحاسم بين حرفي ح ، خ هو النقطة .


وثاني خطوة في عملية المعالجة للمعلومة تسمى المعالجة التعرفية وتعني تجميع الوحدات التي تدرك وإعطائها معنى كمفاهيم ، وفي هذه المرحلة تكتسب الذاكرة الطويلة أهمية خاصة لأنه يترتب على المتعلم أن يتعرف المعنى الذي تنقله المعلومة الجديدة وان يفسره في ضوء المعرفة السابقة الموجودة في الذاكرة الطويلة لديه.


أما دور الذاكرة القصيرة في عملية التعلم يكون كالتالي : فبعد أن تدرك المعلومات يصار إلى تحريكها إلى الذاكرة العاملة أو القصيرة، وهذه الذاكرة عبارة عن مخزن مؤقت يفقد فيه الكثير من المعلومات التي تدخل إليه بسبب عدم بذل الجهد للاحتفاظ بها وعندما تدخل المعلومات هذه الذاكرة يكون واعيا ومدركا لها أما دور الذاكرة العاملة فهي الذاكرة التي يحتفظ فيها الإنسان بكمية صغيرة من المعلومات وقتا قصيرا بينما يقوم بتنفيذ عملية أخرى كان يستمع إلى تسلسل الحوادث في قصة مع محاولة فهم مغزاها .


وهناك بعض الاستراتيجيات التي تساعد على إطالة فترة الاحتفاظ بالمعلومات في الذاكرة القصيرة منها : تسميع المعلومات ، لملمة المعلومات أو تجميعها ، تنظيم المعلومات ، الكلمات المفتاحية .


أما الذاكرة طويلة المدى فتلعب دورا هاما في التعلم بصفتها مخزن الذاكرة الدائم ، فحتى يتم تعلم المعلومات وحفظها لا بد من تحويلها من الذاكرة القصيرة إلى الذاكرة الطويلة حيث تستدعي من هناك وتستعمل عند الحاجة اعتمادا على ذلك التفاعل القائم بين مستويي الذاكرة ، فالمعلومات السابقة تستحضر من الذاكرة الطويلة إلى الذاكرة العاملة لتساعدنا في إدراك المنبهات الوافدة الجديدة ، وتساعدنا أيضا في ملء الثغرات في إدراك فنحن عندما نكون في مناقشة فإننا لا نسمع الأصوات فيه كاملة لأننا في جو صاخب وبمساعدة هذه الذاكرة يتم إكمال أصواتنا .


ويتم ترميز المعلومات عند خزنها في الذاكرة طويلة المدى على شكلين : إما على أساس الدلالة اللفظية أو المعنى وهو الغالب ، وتتكون من تخزين المعارف العامة والمفاهيم ، أو على أساس تكوين صور أو مشاهد عقلية للمعومات والخبرات فكلمة طاولة قد ترمز على أساس الدلالة أي معنى الطاولة ، أو على أساس صورة نموذجية للطاولة .


وهناك نظرية تفسر احتفاظنا بالمعلومات وهي نظرية المنظومات التي ترى أن معارفنا تصطف وتنتظم في الذاكرة الطويلة في منظومات تكون على شكل بني معرفية تدور الواحدة منها حول مفهوم معين وما له بهذا المفهوم ، ويستدعى من هذه المنظومات إلى الذاكرة القصيرة ما له صلة بالمنبه الجديد المطروح فيساعد على فهمه ومن ثم انضمامه إلى المنظومة نفسها كمعرفة جديدة فتغني المعارف السابقة أو تدعمها أو تعدلها ويجب أن لا ننسى انه يتم باستمرار إعادة بناء مستمرة للمعلومات وذلك يعني انه عند فهم واستدعاء المعلومات تتفاعل معارفنا السابقة مع المعلومة الوافدة وتقوم إلى حد ما بتعديل المعلومة بشكل تتناسب فيه مع منظومات معارفنا السابقة .


وهناك مجموعة من العوامل التي تؤثر في عمليتا التذكر والتعلم منها :


1- التكرار : التكرار أمر لا بد منه لاستكمال مهمة الاستيعاب الشامل والمتعدد المستويات للمواد الدراسية ، ولكن التذكر لا يتوقف على عدد التكرارات قدر ارتباطه بالتنظيم السليم لها ، وفهم المعلومة قبل البدء بتكرارها .


2- درجة المعنى في المادة المتعلمة : بقدر ما تكون المادة المتعلمة منظمة وذات معنى يزداد حفظها .


3- العلاقة بين المعنى والاحتفاظ : كلما كان هناك ترابط بين المادة المتعلمة والمادة القديمة المخزنة في الذاكرة طويلة المدى كانت عملية الاحتفاظ أسهل .


4- تأثير عزم التعلم على الاحتفاظ : العلاقة طردية بين عزم الطالب على الدراسة وبين قدرته على الاحتفاظ


ملاحظات :
- يعتمد التذكر على مقدار التعلم ، فالشيء الذي تعلمناه جيدا نتذكره جيد لمدة أطول .
- كلما طال الوقت بين تعلم شيء ما ومحاولة تذكره بعد ذلك زادت احتمال نسيانه .
- يختلف مقدار التذكر باختلاف درجة فهمنا للمادة .
- يميل الشخص إلى تذكر الأشياء التي لها خبرات سارة بالنسبة له.
- رغبات التلميذ وميوله ودوافعه للتعلم تؤثر على مقدار تذكر المادة التي تعلمها .